فارس كرامة
يمضي القطاع المصرفي الأردني بهدوء الواثق وخطى العارف في مسار اندماج البنوك، كمن يعيد ترتيب أوراقه بعقلانية لا تعرف الارتجال، مستندا إلى رؤية اقتصادية عميقة وإدارة نقدية حصيفة يقودها البنك المركزي الأردني. هذه التجربة لا يمكن النظر إليها كإجراء إداري أو مالي عابر، بل كتحول نوعي يعكس نضج المنظومة المصرفية وقدرتها على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية بثبات واتزان.
ويُحسب للبنك المركزي الأردني أنه أدار هذا الملف بعقل بارد ورؤية بعيدة، فشجع الاندماجات المدروسة، وحافظ على التوازن بين تعزيز القوة المصرفية وضمان المنافسة، وحماية حقوق العملاء، ليبقى القطاع المصرفي الأردني واحدا من أكثر القطاعات استقرارا في المنطقة.
تجربة الدمج المصرفي، التي تُعد إحدى الأدوات الذكية في الاقتصادات الكبرى وعلى رأسها التجربة الأميركية، أثبتت أن البنوك الكبيرة ليست مجرد أرقام متضخمة، بل مؤسسات أكثر قدرة على الصمود، وأعلى كفاءة في إدارة المخاطر، وأعمق تأثيرا في تحريك عجلة الاقتصاد، وفي الحالة الأردنية، تأتي هذه الاندماجات كامتداد طبيعي لمسار طويل من الاستقرار النقدي والانضباط المالي الذي يحسب للبنك المركزي وللسياسات التي انتهجها عبر السنوات، حيث أثبتت هذه السياسة قدرتها على خلق مؤسسات مالية أكبر وأكثر صلابة، قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، ومواجهة التقلبات، وتعزيز الثقة بالقطاع المالي ككل.
اقتصاديا، يشكل الاندماج عملية "تجميع للقوة المالية” داخل كيانات مصرفية أكثر تماسكاً، حيث تتسع القاعدة الرأسمالية، وتتراجع كلف التشغيل، وتنخفض ازدواجية الفروع والموارد، ما يخلق بنوكا أكثر رشاقة، وأقوى قدرة على التوسع والتمويل، وأعلى مرونة في التعامل مع التحديات، هذه التحولات لا تخدم البنوك وحدها، بل تعيد ضبط ميزان السوق المصرفي بالكامل، هذا التوسع لا يخدم البنوك فقط، بل يخلق بيئة تنافسية مختلفة، يكون عنوانها خفض الكلف التشغيلية، وتقليل الازدواجية في الفروع والموارد البشرية، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.
وعلى مستوى المستهلك، وهو جوهر المعادلة، فإن كبر حجم البنوك يعني منطقيا انخفاض الكلف، وتراجع العمولات، وتحسن شروط الخدمات المصرفية، فالشارع اليوم يراقب وينتظر، ويعقد آمالاً مشروعة على أن تتحول هذه الاندماجات إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في تفاصيل تعامله اليومي مع البنوك، من أسعار الخدمات، إلى شروط التمويل، إلى جودة الخدمة وسرعتها، فكلما كبر حجم البنك، زادت قدرته على تخفيض العمولات والرسوم، وتحسين شروط التمويل، وتقديم خدمات مصرفية بأسعار أفضل، المنطق الاقتصادي هنا واضح الحجم الكبير يقلل الكلفة، والكلفة الأقل يجب أن تنعكس على المستهلك، سواء في العمولات أو أسعار الخدمات أو تنوع المنتجات المصرفية.
كما أن الدولة واقتصادها هي طرف رابح في هذه المعادلة، إذ ينخفض العبء الرقابي والتشغيلي على البنك المركزي، وتتراجع المخاطر النظامية، ويتعزز الاستقرار المالي العام، ما ينعكس إيجاباً على التصنيف الائتماني وثقة المستثمرين، أما المساهمون، فرغم أن هوامش الربح قد تصبح أكثر انضباطاً، إلا أن الأرباح ستكون أكثر استدامة وأقل تقلباً، وهو ما تبحث عنه رؤوس الأموال الذكية.
في الخلاصة، فإن اندماج البنوك في الأردن ليس مجرد تكبير للحجم، بل ترسيخ لفكرة أن القوة الحقيقية تكمن في الكفاءة، وأن الاستقرار هو أساس النمو، وأن المواطن يجب أن يكون المستفيد الأول من أي تحول اقتصادي، إنها تجربة تستحق الإشادة، ومسار واعد يعيد تشكيل المشهد المصرفي بثقة، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجا وفعالية في الاقتصاد الوطني، وهو خيار اقتصادي استراتيجي يعزز متانة النظام المالي، ويخدم المساهم عبر استدامة الأرباح، ويخفف الكلف على الدولة، والأهم أنه يحمل فرصة حقيقية لأن ينعكس إيجابا على المواطن، عبر خدمات أفضل وعمولات أقل، وهو الرهان الحقيقي الذي ينتظر الجميع أن يتحقق على أرض الواقع.
ملاحظة: تجربة ناجحة وقوة للاقتصاد الأردني